أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
62
العقد الفريد
وجهه ؛ فقيل له : ويحك ! ما كانت قصتك ؟ قال : ارتفع واللّه من رجلي شيء حارّ ، وهبط من رأسي شيء بارد ، فالتقيا وتصادما ؛ فوقعت لا أدري ما كانت حالي . أخبار عنان وغيرها من القيان حدّث محمد بن زكريا الغلابي بالبصرة قال : حدثنا إبراهيم بن عمر قال : كان الرشيد قد استعرض عنان جارية الناطفي ليشتريها ، وقال لها : أنا واللّه أحبّك ! ثم أمسك عن شرائها ؛ فجلس ليلة مع سمّاره ، فغناه بعض من حضر من المغنين بأبيات جرير حيث يقول : إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا « 1 » قال : فطرب الرشيد لها طربا شديدا ، وأعجب بالابيات ، وقال لجلسائه : هل منكم أحد يجيز هذه الأبيات بمثلهنّ ، وله هذه البدرة ؟ - وبين يديه بدرة من دنانير - قال : فلم يصنعوا شيئا ؛ فقال خادم على رأسه : أنا لك بها يا أمير المؤمنين . قال : شأنك . فاحتمل البدرة ؛ ثم أتى الناطفيّ فقال له : استأذن لي على عنان . فأذنت له ، فدخل وأخبرها الخبر ؛ فقالت : ويحك ! وما الأبيات ؟ فأنشدها إياها ، فقالت له : اكتب : هيّجت بالقول الذي قد قلته * داء بقلبي ما يزال كمينا قد أينعت ثمراته في طينها * وسقين من ماء الهوى فروينا كذب الذين تقوّلوا يا سيدي * إنّ القلوب إذا هوين هوينا فقالت له : دونك الأبيات . فدفع إليها البدرة ورجع إلى هارون ، فقال : ويحك ! من قالها ؟ قال : عنان جارية الناطفي . فقال : خلعت الخلافة من عنقي إن باتت إلا عندي ! قال : فبعث إلى مولاها فاشتراها منه بثلاثين ألفا ، وباتت بقية تلك الليلة عنده ! وقال الأصمعي : ما رأيت الرشيد مبتذلا قط إلا مرة ، كتبت إليه عنان جارية الناطفى رقعة فيها :
--> ( 1 ) الوشل : القليل من الماء .